قال أمانويل تاديسي، خبير في القانون الدولي والعلاقات الخارجية، إن استجابة مصر لتطوير إثيوبيا لنهر النيل واستخدام موارده تدريجيًا اتجهت إلى ما يتجاوز النزاع الفني والقانوني المرتبط بسد النهضة الإثيوبي الكبير. ففي عهد رئيس الانقلاب عبد الفتاح السيسي، وسّعت القاهرة استراتيجيتها لتشمل مزيجًا من الضغط الدبلوماسي، والتواصل السياسي، والرسائل الإعلامية، والشراكات التنموية، والانخراط متعدد الأطراف، والجهود الاستراتيجية لحشد الدعم الدولي لرؤيتها لأمن مياه النيل.


ويشير مقاله الذي نشره موقع هورن ريفيو إلى أن المسؤولين والسياسيين المصريين دأبوا على وصف النيل بأنه قضية وجودية تمس الأمن القومي المصري. وفي المقابل، تؤكد إثيوبيا باستمرار أن سد النهضة مشروع تنموي يهدف أساسًا إلى توليد الكهرباء، ودعم التحول الاقتصادي، وتعزيز التكامل الإقليمي في مجال الطاقة. كما تؤكد أديس أبابا أن السد لا يستهدف إلحاق ضرر كبير بدولتي المصب، وتكرر تفضيلها للتعاون والتوصل إلى ترتيبات تفاوضية بشأن استخدام مياه النيل.


ولا يثير استخدام دولة للدبلوماسية دفاعًا عن مصالحها الوطنية الحيوية أي غرابة في حد ذاته، ومصر ليست استثناءً في هذا الصدد. فمن حق كل دولة ذات سيادة أن تسعى إلى حماية مصالحها المشروعة عبر الانخراط الدولي. لكن السؤال الأكثر إلحاحًا يتمثل في ما إذا كانت الأنشطة المصرية المتزايدة في حوض النيل تشكل جزءًا من استراتيجية متعمدة لتقييد النفوذ الدبلوماسي لإثيوبيا، ومكانتها الإقليمية، وخياراتها التنموية. ومن هنا تبرز أهمية النظر إلى الدبلوماسية المصرية الحالية تجاه النيل من منظور جيوسياسي يقوم على الاحتواء.


ويهدف مفهوم الاحتواء، من الناحية النظرية، إلى منع الدولة المستهدفة، وهي إثيوبيا في هذه الحالة، من تحويل قدراتها الاقتصادية أو الجغرافية أو السياسية المتنامية إلى نفوذ إقليمي أكبر. وقد وظفت مصر هذه الاستراتيجية عبر أدوات دبلوماسية واقتصادية ومؤسسية ومعيارية.

 

وفي سياق النيل، تتجسد استراتيجية القاهرة في تدويل النزاع حول سد النهضة، وتأطير مشروعات التنمية الإثيوبية ضمن منظور أمني بحت، وحشد دعم القوى الكبرى، وتعزيز الشراكات السياسية والأمنية عبر البحر الأحمر والقرن الأفريقي. ويستدعي هذا المشهد المتغير دراسة أعمق لاستراتيجية القاهرة والسبل التي تسعى عبرها إلى تشكيل السرديات الإقليمية والمناورة جيوسياسيًا.

 


تأمين المياه والحفاظ على الوضع القائم


يُعد تأمين قضية المياه أحد أبرز المفاهيم الخاطئة في فهم الدبلوماسية المصرية الحالية تجاه النيل. إذ يواصل المسؤولون في القاهرة ووسائل الإعلام المحسوبة عليها تقديم سد النهضة في خطابهم باعتباره تهديدًا وجوديًا للأمن القومي المصري، بما يرفع إدارة المياه العابرة للحدود إلى مستوى قضية تتعلق ببقاء الدولة.

 

وتعكس هذه الاستراتيجية نهجًا تقليديًا في تأمين المياه، تُنقل عبره المخاوف السياسية والاقتصادية الداخلية إلى الخارج. وعندما تُصاغ قضية ما باعتبارها مسألة وجودية، يصبح تقديم التنازلات سياسيًا أكثر صعوبة، كما يسهل تصوير التفسيرات البديلة للنزاع باعتبارها تهديدات للأمن القومي.


كما يخدم تأمين قضية المياه أهدافًا سياسية داخلية. إذ يستخدم النخب السياسية المصرية هذه السردية لتعزيز الدعم الشعبي الداخلي وتحويل الانتباه عن الضغوط الاقتصادية والتحديات المرتبطة بالحوكمة.


ويتمثل الهدف الأساسي للتحركات الدبلوماسية المصرية في الحفاظ على الوضع الجيوسياسي القائم في إدارة مياه النيل، وحماية الامتيازات التاريخية الراسخة لدول المصب، ونزع الشرعية عن الحق السيادي لإثيوبيا في استخدام مواردها المائية العابرة للحدود. وقد صورت السرديات المصرية بصورة متزايدة مشروعات البنية التحتية المائية الإثيوبية باعتبارها إجراءات أحادية الجانب يُزعم أنها تتعارض مع مبادئ راسخة في القانون الدولي للمياه.


لكن هذه التصورات، من منظور القانون الدولي للمياه، تمثل خروجًا ملحوظًا عن السوابق القانونية المستقرة. وتتمثل القضية المركزية من وجهة النظر الإثيوبية في ما إذا كانت أنماط استخدام المياه التاريخية يمكن أن تتحول إلى قيد دائم على تنمية دولة تقع في أعلى مجرى النهر، بينما يتزايد عدد سكانها واحتياجاتها من الطاقة بسرعة.


ولا يمنح القانون الدولي للمياه دولة تقع في المصب حق نقض مطلقًا على تطوير دولة تقع في أعالي الحوض لموارد مائية عابرة للحدود. وتندرج جهود إثيوبيا التنموية بصورة سليمة تحت مبدأ الانتفاع المنصف والمعقول، المنصوص عليه في المادة الرابعة من اتفاقية الإطار التعاوني لحوض النيل.

 


المفارقة الجيوسياسية: شراكات مصر الانتقائية في أفريقيا


لا تقتصر هذه المناورات الجيوسياسية على حوض النيل، إذ تبدو التحركات الدبلوماسية المصرية في أنحاء أفريقيا مصممة للحد من النفوذ الإقليمي لإثيوبيا ودورها الاستراتيجي في كل من البحر الأحمر والقرن الأفريقي.


وتبرز مشاركة مصر، عبر ائتلاف يضم شركة المقاولون العرب وشركة السويدي إليكتريك، في مشروع محطة جوليوس نيريري للطاقة الكهرومائية في تنزانيا على نهر روفيجي، في موقع شتيجلر جورج داخل محمية سيلوس، مثالًا واضحًا على هذا التوجه. ودُشّن المشروع رسميًا في 22 أغسطس 2026، وتبلغ قدرته المركبة 2115 ميجاواط، فيما تتجاوز سعة خزانه 30 مليار متر مكعب. ويؤدي المشروع دورًا مهمًا في زيادة ترابط شبكات الطاقة الإقليمية في شرق أفريقيا.


وتتجاوز دلالات مشاركة القاهرة البعد الهندسي للمشروع، إذ تكشف عن مسعى واضح لتوسيع نفوذها عبر القارة وإعادة تشكيل السرديات الإقليمية المتعلقة بالتعاون بشأن المياه العابرة للحدود. وتقدم القاهرة مشاركتها في مشروع دار السلام باعتبارها دليلًا على التزامها بدعم التنمية الأفريقية وتعزيز التعاون بين دول المنبع والمصب.


ومن الناحية السياسية، تسعى مصر من خلال مشاركتها في مشروع سد نيريري إلى مواجهة الانتقادات المتزايدة التي ترى أن استراتيجيتها تجاه قضية النيل دفاعية بحتة وتهدف إلى الحد من نمو دول المنبع. ومن خلال دعم مشروع طاقة رائد في دولة أفريقية تقع في أعالي الحوض، تسعى مصر إلى إعادة تقديم نفسها باعتبارها شريكًا تنمويًا بناءً.


لكن مفارقة جيوسياسية صارخة تظهر عند مقارنة انخراط القاهرة في تنزانيا بموقفها الحاد تجاه إثيوبيا.


فإذا كانت مصر تتبنى بالفعل مبدأ تعاون الدول الأفريقية في مشروعات البنية التحتية المائية، وتؤمن بأن الطاقة الكهرومائية تخدم المصالح الإقليمية المشتركة، فلا يوجد مبرر منطقي للتعامل مع تطوير إثيوبيا لمواردها المائية باعتباره تهديدًا وجوديًا.


فلماذا تحرص القاهرة على تمويل وبناء بنية تحتية للطاقة الكهرومائية في دولة من دول المنبع، بينما تواصل بصورة دائمة تقديم مشروعات الطاقة الإثيوبية باعتبارها مخاطر على الأمن القومي؟ وبدلًا من دفع تعاون حقيقي على مستوى الحوض بأكمله، يقوم على الانتفاع المنصف والمعقول، تبدو مصر وكأنها تستخدم الشراكات الانتقائية لإعادة تشكيل موازين القوى الإقليمية وتهميش أجندة التنمية الإثيوبية. ومن هذا المنظور، لا يمثل مشروع نيريري إنجازًا في مجال البنية التحتية فحسب، بل يؤدي أيضًا دور أداة استراتيجية تهدف إلى تشكيل سردية تعزل أديس أبابا.


ولا يمكن أن يكون التعاون الحقيقي انتقائيًا؛ بل يجب أن ينطبق بالتساوي على تنزانيا وإثيوبيا وجميع دول حوض النيل. ولا يمكن بناء دبلوماسية مستدامة على أساس السماح لبعض دول المنبع باستغلال مواردها المائية، في حين تُجبر إثيوبيا على قبول قيود على نموها. وينبغي أن يظل الموقف الإثيوبي واضحًا وغير قابل للتنازل: النيل حوض مشترك، ولا يمكن التعامل مع التنمية الاقتصادية باعتبارها حقًا حصريًا لبعض الدول، بينما تصبح تهديدًا أمنيًا عندما تسعى إليها دول أخرى. وينبغي أن يقوم مستقبل حوض النيل على الشراكة المتكافئة، والانتفاع المنصف، والمنفعة المتبادلة، والاحترام الكامل للتطلعات التنموية المشروعة لجميع دول الحوض.

 


القوة المعيارية وتدويل قضية النيل


تواصل مصر التنافس على امتلاك قوة معيارية من خلال استخدام الدبلوماسية لتدويل قضية النيل. ويقدم انخراط القاهرة الدبلوماسي الأخير مع بكين مثالًا واضحًا على ذلك. ففي الأول من سبتمبر 2026، توجه الرئيس الصيني شي جين بينج إلى القاهرة في زيارة دولة رسمية، تزامنًا مع الذكرى السبعين للعلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وبهدف دفع اتفاقية الشراكة الاستراتيجية الشاملة الموقعة عام 2014 إلى آفاق جديدة. وتوج هذا الانفتاح الدبلوماسي بصدور البيان المشترك بين مصر والصين بشأن تعميق الشراكة الاستراتيجية الشاملة في 2 سبتمبر 2026.


وتناول البند الثالث من البيان قضية النيل بصورة مباشرة، وبصياغة تتحدى المصالح الوطنية الإثيوبية. إذ أكدت الصين مجددًا فهمها لـ«الأهمية الحيوية لنهر النيل باعتباره شريان الحياة الرئيسي لمصر، مع الاعتراف بحق مصر المشروع في حماية أمنها المائي والغذائي ومصالحها التنموية»، فيما دعا الجانبان جميع دول حوض النيل إلى «الالتزام بالقانون الدولي، بما في ذلك الالتزام بعدم التسبب في الضرر».


وعمليًا، توظف القاهرة علاقاتها الدبلوماسية للحصول على اصطفاف دولي، وتستخدم الأطر الثنائية لدفع مصالحها المائية كدولة مصب، في الوقت الذي تسعى فيه إلى تهميش دول أعالي الحوض. ويعكس إدراج الصين لهذه الصياغة رغبتها الاستراتيجية في الحفاظ على حضور قوي في مصر وموازنة النفوذ الأمريكي في المنطقة. وعندما تدرج القوى الكبرى المصطلحات التي تفضلها إحدى الدول في بيانات ثنائية، تكتسب تلك المصطلحات حضورًا دوليًا ونفوذًا معياريًا أكبر.


ورغم أن بكين ربما تحركت بهدف تعزيز علاقاتها الثنائية مع القاهرة، وليس بقصد تقويض إثيوبيا، فإن هذه التصريحات الصريحة تمثل تحولًا عن السياسة الصينية التقليدية القائمة على عدم التدخل الصارم في النزاعات الإقليمية. فمن خلال ترديد الطروحات المصرية بشأن إدارة النيل والبحر الأحمر، تخلق بكين انطباعًا بأنها تقدم دعمًا دبلوماسيًا لمصر على حساب الحقوق المشروعة لإثيوبيا. ويكتسب هذا التحول أهمية خاصة في ضوء الشراكة الاستراتيجية بين بكين وأديس أبابا وحجم الحضور الاقتصادي الصيني في القرن الأفريقي.


ومع ذلك، تظل الحقيقة المادية المتمثلة في وجود سد النهضة مصدرًا لنفوذ يضمن المصالح الوطنية الإثيوبية على أرض الواقع، بصرف النظر عن الجهود الدبلوماسية الرامية إلى عزل أديس أبابا. ومع ذلك، تحتاج إثيوبيا إلى التحرك بصورة أكثر استباقية لتشكيل الخطاب المتعلق بالنيل بدلًا من الاكتفاء بالرد بعد أن تفرض دول أخرى سرديتها. وبدلًا من مطالبة القوى الخارجية بالانحياز إلى جانبها، ينبغي لأديس أبابا أن تصر على أن يعكس أي نقاش دولي بشأن إدارة النيل كامل منظومة القانون الدولي للمياه، بما في ذلك مبدأ الانتفاع المنصف والمعقول، إلى جانب الاحتياجات التنموية المشروعة لجميع دول الحوض.


وترى إثيوبيا أن النيل والبحر الأحمر، وهما أهم مسطحين مائيين في المنطقة، يرتبطان ارتباطًا وثيقًا. وينبع هذا الترابط من كون إثيوبيا دولة حبيسة، وحاجتها إلى وصول آمن إلى البحر، وموقع مصر على قناة السويس والبحر الأحمر، فضلًا عن حقيقة أن التطورات في إحدى المنطقتين تؤثر حتمًا في الأخرى.


وانعكست استراتيجية مصر لمواجهة النفوذ الإثيوبي في البحر الأحمر أيضًا في البيان المشترك مع الصين. ففي ما يتعلق بأمن البحر الأحمر، شدد البند السادس عشر على أن «إدارة البحر الأحمر وأمنه مسؤولية أساسية تقع على عاتق الدول المطلة عليه». ويعزز هذا الطرح تفسيرات متنافسة للنظام الإقليمي.

 

وبينما تستخدم مصر هذا المبدأ لتأكيد الدور الحصري للدول الساحلية، فإنه يثير سؤالًا استراتيجيًا مهمًا لإثيوبيا: هل ينبغي استبعاد الدول الحبيسة، التي حُرم وصولها إلى البحر نتيجة مؤامرات وتوقف عليها مصالحها الاقتصادية والأمنية والتجارية الحيوية بصورة كبيرة، من ترتيبات إدارة المنطقة؟


ولمواجهة النهج التقييدي الذي تتبناه القاهرة وإقناع شركاء تقليديين مثل الصين، تحتاج إثيوبيا إلى الدفع نحو إطار شامل لإدارة البحر الأحمر إقليميًا. ووفق هذا النموذج، تحصل الدول الحبيسة التي تمتلك مصالح اقتصادية وأمنية كبيرة في البحر الأحمر على صوت مناسب في الترتيبات الإقليمية، بما يمنع تحول البحر الأحمر إلى ساحة أخرى يتقلص فيها الدور الاستراتيجي لإثيوبيا تدريجيًا.


وتحتاج إثيوبيا كذلك إلى مراقبة انخراط مصر عن كثب في المؤسسات البيئية الدولية، وقمم المناخ، ومنتديات المياه.


وفي تحرك متعدد الأطراف لافت آخر، شارك وزير الموارد المائية والري المصري، الدكتور هاني سويلم، في الدورة السابعة عشرة لمؤتمر الأطراف في اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر، التي انعقدت في أولان باتور، منغوليا، خلال الفترة من 17 إلى 28 أغسطس 2026، تحت شعار «استعادة الأرض، واستعادة الأمل». وفي كلمته، قدم الوزير هاني قضايا تدهور الأراضي والتصحر والجفاف باعتبارها تحديات لا تقتصر على البيئة، بل تمتد آثارها بصورة مباشرة إلى الأمن الغذائي والمائي.


ويكتسب مسعى القاهرة إلى إقامة رابط وثيق بين إدارة الجفاف وإدارة المياه العابرة للحدود أهمية خاصة بالنسبة إلى إثيوبيا، إذ تؤكد مصر أن الموارد المائية المشتركة يجب أن تُدار وفق القانون الدولي لمنع إلحاق أضرار كبيرة بدول المصب. وتكشف هذه الاستراتيجية عن محاولة مصر ربط إدارة النيل بالأجندة الدولية الأوسع للمناخ.


كما شدد المندوبون المصريون على تفوق مياه الأمطار و«المياه الخضراء»، أي رطوبة التربة، على «المياه الزرقاء»، أي الأنهار والبحيرات، في دول أعالي الحوض، بما يوحي بضرورة اعتماد دول المنبع بصورة أساسية على الزراعة المطرية وتنمية المراعي.

 

ورغم تقديم هذا الطرح باعتباره مقترحًا بيئيًا، فإنه يحمل تداعيات جيوسياسية عميقة، لأنه يحدد ضمنيًا الطريقة التي ينبغي لدول المنبع أن تتبعها في تطوير قطاعها الزراعي، مع منح أولوية معيارية لحماية تدفقات الأنهار إلى دول المصب.


ويستدعي هذا التكتيك مراقبة إثيوبيا عن كثب. فقد تتحول منصات الحوكمة البيئية والمتعلقة بالجفاف تدريجيًا إلى مسارات معيارية جديدة تُستخدم لتقييد الانتفاع بالأنهار العابرة للحدود. وبينما يمثل تعزيز القدرة على مواجهة الجفاف هدفًا عالميًا مشروعًا، ينبغي ألا تؤدي مأسسة هذه القضية إلى أطر تفرض أعباء غير متناسبة على دول المنبع.


ومن المتوقع أن يوفر اختيار مصر لاستضافة الدورة الثامنة عشرة لمؤتمر اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر في عام 2028 منصة دبلوماسية بارزة للقاهرة لتشكيل السياسات العالمية المتعلقة بإدارة الجفاف.

 

وقد يؤثر تطوير أدوات دولية ملزمة بشأن الجفاف بصورة مباشرة أو غير مباشرة في حقوق استخدام الأنهار العابرة للحدود. ولذلك، يتعين على إثيوبيا الانخراط بصورة استباقية في هذه المنتديات الناشئة، لضمان بقاء المعايير الدولية الجديدة لإدارة الجفاف راسخة في مبادئ الانتفاع المنصف، والمساواة في السيادة، والتنمية المستدامة.


وترى هذه القراءة أن على إثيوبيا إعادة صياغة جميع عمليات الانتفاع بالمياه العابرة للحدود على أساس مبدأ الانتفاع المنصف والمعقول، المنصوص عليه في اتفاقية الإطار التعاوني، بدلًا من الاكتفاء بالتعامل مع التأطير المصري القائم على منطق المحصلة الصفرية والأمن. ولتعزيز هذا الموقف، ينبغي لأديس أبابا استضافة منتديات إقليمية متخصصة تبرز فوائد تكامل الطاقة، وشبكات الكهرباء العابرة للحدود، والتكيف المناخي الذي توفره مشروعات البنية التحتية في دول المنبع.


كما ينبغي لأديس أبابا قيادة ائتلاف دبلوماسي داخل القرن الأفريقي والهيئات الإقليمية مثل الهيئة الحكومية الدولية المعنية بالتنمية والاتحاد الأفريقي، للدفع نحو أطر شاملة لإدارة البحر الأحمر تدمج بصورة صريحة الدول الحبيسة التي تعتمد تجارتها وأمنها على الوصول البحري. ومن شأن بناء شراكات قوية في مجال الأمن البحري والخدمات اللوجستية مع الدول المطلة على البحر الأحمر أن يؤكد أولوية الاستقرار الاقتصادي الإقليمي المشترك على أنظمة الإدارة الساحلية الحصرية.


ويتعين على إثيوبيا كذلك الانخراط بصورة مباشرة مع شركائها الاستراتيجيين، مثل بكين، لإظهار أن تطوير الطاقة الكهرومائية في إثيوبيا يولد فوائد إيجابية تعود بالنفع على جميع دول الحوض وتعزز التعاون بشأن المياه العابرة للحدود.


ولمواجهة محاولات دول المصب الحد من استخراج المياه من النهر، تحتاج إثيوبيا إلى تحديد مفهوم المياه الخضراء ورطوبة التربة بصورة نشطة في القمم البيئية الدولية باعتبارهما عنصرين مكملين للبنية التحتية للمياه الزرقاء، وليس بديلًا عنها.

 

كما تحتاج أديس أبابا إلى تشكيل ائتلاف على مستوى الحوض، يضم الدول النامية ضمن إطار الاتحاد الأفريقي، استعدادًا للدورة الثامنة عشرة لمؤتمر اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر في القاهرة، لضمان حماية أدوات الحوكمة الدولية الناشئة بشأن الجفاف لحقوق التنمية لجميع دول الحوض، من دون خلق أعباء قانونية غير متكافئة.

 

https://hornreview.org/2026/09/12/egypts-geopolitical-paradox-on-the-nile-selective-partnerships-as-a-strategy-of-containment/